الجصاص

617

أحكام القرآن

تعالى : ( أسكنوهن من حيث سكنتم ) . قيل له : قد احتجت هي في أن ذلك في المطلقة الرجعية ، ومع ذلك فإن جاز عليها الوهم والغلط في روايتها حدثنا مخالفا للكتاب فكذلك سبيلها في النفقة . وللحديث عندنا وجه صحيح يستقيم على مذهبنا فيما روته من نفي السكنى والنفقة ، وذلك لأنه قد روي أنها استطالت بلسانها على أحمائها فأمروها بالانتقال وكانت سبب النقلة ، وقال الله تعالى : ( لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) ، وقد روي عن ابن عباس في تأويله : " أن تستطيل على أهله فيخرجوها " فلما كان سبب النقلة من جهتها كانت بمنزلة الناشزة ، فسقطت نفقتها وسكناها جميعا ، فكانت العلة الموجبة لإسقاط النفقة هي الموجبة لإسقاط السكنى ، وهذا يدل على صحة أصلنا الذي قدمنا في أن استحقاق النفقة متعلق باستحقاق السكنى . فإن قيل : ليست النفقة كالسكنى ، لأن السكنى حق لله تعالى لا يجوز تراضيهما على اسقاطها ، والنفقة حق لها لو رضيت بإسقاطها لسقطت . قيل له : لا فرق بينهما من الوجه الذي وجب قياسها عليها ، وذلك لأن السكنى فيها معنيان : أحدهما حق لله تعالى وهو كونها في بيت الزوج ، والآخر : حق لها وهو ما يلزم في المال من أجرة البيت إن لم يكن له ، ولو رضيت بأن تعطى هي الأجرة وتسقطها عن الزوج جاز ، فمن حيث هي حق في المال قد استويا . واختلفوا في نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها ، فقال ابن عباس وابن مسعود وابن عمر وشريح وأبو العالية والشعبي وإبراهيم : " نفقتها من جميع المال " . وقال ابن عباس وجابر وابن الزبير والحسن وابن المسيب وعطاء : " لا نفقة لها في مال الزوج بل هي على نفسها " . واختلف فقهاء الأمصار أيضا في ذلك ، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد : " لا سكنى لها ولا نفقة في مال الميت حاملا كانت أو غير حامل " . وقال ابن أبي ليلى : " نفقتها في مال الزوج بمنزلة الدين على الميت إذا كانت حاملا " . وقال مالك : " نفقتها على نفسها وإن كانت حاملا ولها السكنى إن كانت الدار للزوج ، وإن كان عليه دين فالمرأة أحق بسكناها حتى ينقضي عدتها ، وإن كانت في بيت بكراء فأخرجوها لم يكن لها سكنى في مال الزوج " ، هذه رواية ابن وهب . وقال ابن القاسم عن مالك : " لا نفقة لها في مال الزوج الميت ولها السكنى إن كان الدار للميت ، وإن كان عليه دين فهي أحق بالسكنى من الغرماء وتباع للغرماء ويشترط السكنى على المشتري " . وقال الأشجعي عن الثوري : " إذا كانت حاملا أنفق عليها من جميع المال حتى تضع ، فإذا وضعت أنفق على الصبي من نصيبه " . وروى المعافى عنه أن نفقتها من حصتها . وقال